الشهابي وكاظم: التعايش في المجتمعات المتعددة ليس مطلبًا ترفيًّا.. بل حاجة أساسية وملحة

في ندوة نظمتها المؤسسة البحرينية للحوار شهدت حضورًا وتفاعلاً كبيرين..

أقامت المؤسسة البحرينية للحوار مساء الإثنين ندوة بعنوان (إطلالة على التعايش في البحرين) شارك فيها الباحثان البحرينيان الأستاذ غسان الشهابي والدكتور نادر كاظم، وأدارها السيد سهيل القصيبي رئيس مجلس أمناء المؤسسة.

وفي بداية الحفل، اعتبر مقدِّم الفعالية السيد أحمد حمادة أن «الطائفية اليوم هي الخطر الحقيقي على مجتمعاتنا، بل على الدين نفسه؛ باعتبارها الإطار الذي يتحرك من خلاله أصحاب المصالح والأغراض، وتجار الأديان المخادعون، وهي مطية الطامعين والمغرضين الذين يستفيدون من نمو الشعور الطائفي».
وأكد حمادة أن «التعايش هو المفهوم الذي ينبغي إحلاله وإشاعته بيننا لنعيش بسلام»، داعيًا الجميع إلى العمل معًا على «إعادة تكوين الأمة، بنظرية واقعية تتسم بالحكمة والبصيرة، بحيث نجعل الأطر الموجودة في مجتمعاتنا أطرًا غير متحاجزة، بل متكاملة». مشيرًا إلى أن «المعالجة الجادة تقتضي صبرًا وتسامحًا ونظرًا حصيفًا يندر وجودها في الأزمات وفي أوقات الاحتقان، كما تقتضي أنْ يكون الأمر بيد أهل العلم والبصيرة والدراية، وليس بيد العامة، فالعامة قليلو درايةٍ وصبرٍ وحكمةٍ، ولديهم الاستعداد الكافي لحمل مشاعر الكره ونشرها».
وأضاف: «لا بدَّ أنْ ينبري كبراء الأمة وعلماؤها من مسموعي الكلمة، والقادرين على إحداث التأثير، لينفضوا هذا الرماد، ويُحدثوا هزةً في الضمائر، وألا يتركوا المجال لأهل السياسة وأصحاب الأغراض والطموحات الشريرة».
وفي مستهل الندوة، رحب السيد سهيل القصيبي بضيفيْ الندوة، مؤكدًا أن «التعايش هو الضمانة لمجتمع يعيش بأمن وسلام، وهو المفهوم الذي نؤمن بضرورة إرسائه وتأكيده وصونه والمحافظة عليه؛ لأنه المفهوم الواقعي الذي يتيح للإنسان أن يعيش مع الآخر المختلف معه عيشًا تفاعليًّا لا يضيق فيه صدر أحد بأحد». وأضاف: «إننا في المؤسسة البحرينية للحوار نؤمن أننا بحاجة ماسة إلى تكريس هذا المفهوم في مجتمعنا البحريني، وتأكيده عبر كل وسائل التربية والتعليم والتدريب والإعلام، ليكون جزءًا من عقيدة هذا المجتمع».
بعد ذلك، أوضح الكاتب والإعلامي الأستاذ غسان الشهابي أن التعايش هو «علاقة تفاعليَّة، في بيئةٍ مشتركة، بين فئات مختلفة، بغرض تحقيق استفادة أو تبادل منافع، في ظل جوٍّ من الاحترام والمودة»، واستعرض تجربتين في البحرين من الناحية البيئية لقياس مدى التعايش فيهما؛ الأولى: مدينة عيسى، والثانية مدينة حمد، واعتبر تجربة مدينة عيسى شكلت نموذجًا للتعايش في أواخر ستينيات القرن العشرين، غير أن هذه التجربة بدت مختلفة وانكفأت بشكل أو بآخر في 2011.
في حين اعتبر الشهابي أن «تجربة مدينة حمد قد جانبها الصواب، حيث بات التمايز عاليًا وصار معروفًا أين يسكن الشيعة في كل مجمع، وأين يسكن السنة، فجرى احتكار البيئة المحلية وتقسيمها داخل البيئة الأكبر لتعزيز التكتيل المذهبي بدلاً من الاندماج، والتباعد بدلاً من التقارب والتعايش». مضيفًا: «تقوم فلسفة التعايش على أن الوطن بكل امتداداته ملكٌ مشتركٌ بين الجميع، وللجميع، وليس ملكًا لفئة دون الأخرى».
وأضاف الشهابي: «الكثير من المتعاطين للشأن المحلي يستذكرون بنوع من الفخر ما جرى في منتصف خمسينيات القرن العشرين عندما ائتلف السنة والشيعة بعد أحداث محرم من سنة 1953 (وهي حادثة تشير إلى هشاشة التعايش)، لتتكون هيئة وطنية جرى ضربها من الداخل أولاً من ناحية التعايش نفسه». مستعرضًا في هذا الجانب تجربة المجتمع في أحداث 2011 التي وقفت على مفترقات هشاشة التعايش. مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن حقيقة التعايش تنكشف شعبويًّا إبان الانتخابات البلدية والنيابية، حيث تكون الكفاءة آخر ما يُسأل عنه».
وأكد أن أزمة 2011 كشفت بوضوح عن وجود مشكلة ثقة، وقدر كبير من عدم القدرة على الوصول إلى الأطراف الأخرى، مضيفًا: «هذه الأزمة دلّت على أن هناك جدرانًا زجاجية بين مكونات المجتمع تحول دون التعايش»، مؤكدًا في الوقت نفسه وجود جهل حقيقي بين مكونات المجتمع بعضها ببعض.
ودعا الأستاذ غسان الشهابي في نهاية ورقته إلى تحقيق التعايش عبر ثلاث ركائز أساسية؛ وهي: أولاً: تحقيق العدل بشتى صنوفه ودرجاته وفي كل مكونات المجتمع ومؤسساته. وثانيًا: الحزم في التطبيق على المخالفين. وثالثًا: فرض احترام كل مكون للآخر.
بعد ذلك، قدم الباحث الدكتور نادر كاظم ورقته، معتبرًا أن «موضوع التعايش متشعب سياسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا ودينيًّا»، لافتًا إلى أن «الحاجة إلى التعايش ليست حاجة مستجدة، لكن الحاجة اليوم ملحة».
وقال كاظم: «الحديث عن التعايش لا ينفصل عن الحديث عن اللاتعايش ومسبباته وتاريخه»، مشيرًا إلى أن التسامح شرط أساسي لتحقيق التعايش، وأن غياب التسامح يرتبط عادةً بجذور اجتماعية واقتصادية.
واستعرض كاظم العلاقة بين المدينة والقرية، وتحدث عن صرامة الحدود بينهما، معتبرًا أن تجربة المنامة إيجابية وطرية خلقت فضاءات رحبة للتعايش والتسامح، موضحًا: «تمكن فضاء المدينة من تكوين وسط متسامح تقبل مزيجًا بشريًّا شبكت بينه مصالح التجارة التي خلقت فيما بعد روحًا مدنية مشتركة تقوم على الثقة والاحترام».
وبين أن أقدم الإشارات التاريخية التي ورد فيها ذكر المنامة تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي. وأشار إلى عدم وجود معلومات دقيقة حول التنوع البشري الذي كان في المنامة قبل القرن التاسع عشر، إلا أن الثابت أن القرن التاسع عشر هو الذي تحولت فيه المنامة لتصبح جزءًا من المستوطنات الساحلية التي تربط الخليج بعالم التجارة.
غير أن الدكتور نادر كاظم أوضح أن عشرينيات القرن العشرين حملت معها بداية التغيير على تلك الروح المتسامحة في المنامة، وأخذت تلك التغييرات في التسارع بعد أحداث فلسطين في 1948، ومن ثم فتنة محرم في 1952 مع صعود تيار الهيئة بتوجهاته القومية الناصرية، وبعدهما العدوان الثلاثي على مصر في 1956 ونكسة حزيران في 1967، حتى تقوض ذاك التعدد والتعايش في المنامة، معتبرًا أن مفاعيل النفط والطفرة النفطية ومفاعيل الإسلام السياسي كان لها دور في تقويض تلك الروح.
واختتم كاظم ورقته بالقول: «إن التعايش في المجتمعات المتعددة ليس مطلبًا ترفيًّا، بل هو حاجة أساسية وملحة؛ حاجة من أجل البقاء أولاً، وحاجة لإغناء تجربتنا في الحياة ثانيًا»، مستشهدًا بقول الجاحظ: «إن القراءة هي عقل غيرك تضيفه إلى عقلك»، معلقًا: «التعايش هو حيوات الآخرين وتجاربهم التي تضيفها إلى حياتك وتجربتك».
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق