كل ما تحتاج معرفته عن أسباب انطلاق انتفاضة إيران

العربية.نت – صالح حميد

بينما تدخل انتفاضة إيران يومها الخامس بملصق إعلاني لانطلاق المظاهرات في عشرات المدن الساعة الخامسة من عصر الاثنين، بأول يوم من عام 2018، كثرت الأحاديث حول معدلات الفقر والبطالة والحرمان والغلاء والتضخم وتدهور المستوى المعيشي، التي دفعت المواطنين للخروج إلى الشوارع.

وبينما أعلن رئيس لجنة “الخميني” الإغاثية الحكومية في إيران، برويز فتاح، قبل حوالي أسبوع فقط، أن 40 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر، أي نصف مجموع السكان البالغ عددهم 80 مليوناً، بينما تتزايد الانتقادات الداخلية حول إنفاق نظام طهران المليارات على تدخلاتها العسكرية في الدول العربية ودعم الإرهاب والميليشيات الطائفية وتطوير البرنامجين النووي والصاروخي المثيرين للجدل، وهذا ما يفسر شعارات المتظاهرين التي نادت بالخروج من سوريا والالتفات الى أوضاع المواطنين الإيرانيين المتدهورة.

وكانت مؤسسة “بورغن” غير الحكومية والتي تعنى بمكافحة الفقر حول العالم، كشفت في إحصائية في سبتمبر الماضي، أن تزايد نسبة الفقر في إيران وصل إلى مستويات قياسية في ظل استشراء الفساد الحكومي وهيمنة الطغمة الحاكمة على ثروات البلاد.

جانب من الاحتجاجات في إيران

 

وقالت شيرين عبادي، الحائزة جائزة نوبل للسلام، في تصريحات سابقة إن اتساع الفقر في بلد غني مثل إيران سببه الرئيسي الفساد الحكومي إلى جانب الإنفاق العسكري الهائل”.

وترى المحامية المدافعة عن حقوق الإنسان أن الفساد الحكومي الذي يؤدي إلى تفاقم أزمة الفقر يعتبر جريمة ضد الإنسانية”، على حد وصفها.

وشهدت مختلف محافظات إيران منذ أشهر وبشكل مستمر إضرابات واحتجاجات عمالية متواصلة ضد تأخر الرواتب والأجور المنخفضة وتفشي البطالة والفقر، بسبب الفساد المستشري في أجهزة الدولة والذي ينعكس على المواطن العادي ومعيشته بشكل مباشر، الأمر الذي دفع بالمراقبين إلى أن يتحدثوا عن احتمال ثورة جياع سيطلقها ملايين من المواطنين المسحوقين والمهمشين في إيران.

الموازنة

وبدأت أولى دعوات الاحتجاج منذ أن قدم الرئيس الإيراني، حسن روحاني، مشروع الموازنة في منتصف ديسمبر الماضي، والتي أظهرت إنفاق جزء كبير منها على الحرس الثوري والمؤسسات الدينية المرتبطة بالمرشد، ولم تكترث إلى الوضع المعيشي المتدهور وموجة الغلاء وارتفاع الأسعار، وهذا ما يفسر شعار المتظاهرين “الموت لروحاني الموت لخامنئي”.

ويقول منتقدو الحكومة إن “حكومة روحاني رفعت الأسعار بهدف تقليص عجز الموازنة من جيوب الإيرانيين، وإن هذه الموازنة تمهِّد الطريق للفقر والركود والبطالة وتضع الشعب تحت تضييقات مالية شديدة، كما أنّ قطع الدعم عن جزء ضخم من الشعب ورفع أسعار ناقلات الطاقة سيعقبه طوفان من التضخم ويحمل الشعب أقسى الضغوطات.

ووصف فرشاد مومني، وهو خبير اقتصادي مؤيد لروحاني، الموازنة الجديدة بأنها تفاقم أزمة المعيشة التي يواجهها الشعب”، وفق وكالة أنباء “إيسنا”.

الفقر في ايران

 

الغلاء وارتفاع الأسعار والتضخم

وترافق الإعلان عن إحصائية نسبة الفقر، مع إعلان حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني الشهر الماضي رفع سعر الوقود بنسبة تصل إلى 50%، خلال موازنة العام المقبل.

هذا بينما حذر خبراء اقتصاد إيرانيون من ارتفاع معدل التضخم بنسبة 1% جراء ارتفاع أسعار الوقود، في حين أن نسبة التضخم حسبما تعلن السلطات هو 10% لكن الخبراء يقولون إنه رقم مضاعف.

كما أعلنت حكومة حسن روحاني التي يحملها الخبراء مسؤولية تدهور الاقتصاد والوضع المعيشي، أن الإعانات النقدية المقدمة للفقراء والدعم النقدي عن 34 مليون شخص خلال العام المقبل سيتم إلغاؤه.

الرئيس الايراني السابق أحمدي نجاد و رئيس القضاء صادق لاريجاني

وقضايا الفساد وصراع الأجنحة

ترافق ذلك مع انتشار وثائق عن فساد حول فساد رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني وأشقائه علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى (البرلمان) وآخرين الذين يشغلون مناصب في الدولة ومتورطين بتهم اختلاس ونهب المال العام، وكذلك فضيحة الرواتب النجومية لمسؤولي حكومة روحاني، بالإضافة إلى محاكمة مقربي الرئيس السابق أحمدي نجاد، في ظل تصاعد صراع الأجنحة داخل النظام الإيراني.

وقبل يوم من اندلاع الاحتجاجات في إيران، دخل المرشد الأعلى للنظام علي خامنئي، على خط صراع الأجنحة، وهاجم كلا من الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، المستمر بشن هجوم الأخير على رئيسي القضاء والبرلمان المقربين من خامنئي.

وقال خامنئي إن “أولئك الذين بيدهم إدارة البلاد وشؤونها التنفيذية اليوم أو أمس، ليس لديهم الحق في تولي دور المعارضة والمنافسين؛ بل يجب أن يتحملوا المسؤولية”، وذلك في إشارة واضحة إلى الرئيسين الحالي السابق حسن روحاني ومحمود أحمدي نجاد، اللذين لديهما آراء انتقادية تجاه صناع القرار والمؤسسات المقربة من خامنئي، خاصة تجاه رئيس القضاء صادق أملي لاريجاني المقرب من المرشد.

وتضع منظمة الشفافية الدولية إيران على رأس قائمة الدول الأكثر فسادا، وتحتل المرتبة 136 من أصل 175 دولة من حيث الفساد وفق دراسة أجرتها منظمة “ترانسبيرنسي إنترناشونال Transparency International” غير الحكومية.

ويعتقد خبراء أن جذور الفساد في إيران تعود لهيمنة المؤسسات الدينية والجماعات المرتبطة بأعلى هرم النظام، والمجموعات التابعة لبيت المرشد الأعلى علي خامنئي، والتي تستحوذ على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني ولا تخضع لأية رقابة.

المرشد الأعلى علي خامنئي

 

الثروة بيد المرشد

وبحسب دراسة أجرتها مؤسسة “بورغن” العالمية المعنية بمكافحة الفقر، يستحوذ 5% فقط من الطغمة الحاكمة في إيران على منابع الثروة وهم من الفئة الحاكمة بدءا من المرشد وحاشيته وحتى كبار المسؤولين وعوائلهم، حيث تقدر ثروة المرشد بحوالي 95 مليار دولار أميركي، بحسب المؤسسة.

هذا بينما وافق مجلس النواب الأميركي في شهر ديسمبر الماضي، على مشروع قرار يلزم وزارة الخزانة بأن تنشر قائمة من أصول وأموال 70 شخصا من القادة الإيرانيين وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، وسط دعوات برلمانية عن كيفية إنفاق هذه الثروات على دعم ونشر الإرهاب.

الفقر والسكن في المقابر

 

مجاعة

وتفيد إحصائيات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الإيرانية أن هناك أكثر من 12 مليون مواطن يعانون من الفقر الغذائي أي المجاعة.

وكان يحيى آل إسحاق، رئيس غرفة التجارية المشتركة الإيرانية – العراقية قال في تصريحات في “مارس” الماضي، إن 45 مليون مواطن من مجموع 80 مليون من سكان البلاد يعيشون ضيق العيش ولا يمتلكون قوت يومهم ويعانون من أصعب الظروف نظرا لارتفاع معدلات التضخم والغلاء وتزايد النفقات والبطالة.

وأكد آل اسحاق بالأرقام أن أكثر من 60 بالمئة من المواطنين الإيرانيين لا يستطيعون إيجاد توازن بين دخلهم ونفقاتهم”، موضحاً أن البلاد تعاني من بطالة تتراوح نسبتها بين 2 و8 ملايين شخص وأن سكان كبريات المدن يصرفون ثلثي رواتبهم لدفع إيجار السكن”.

الفقر والسكن في المقابر

 

أزمة السكن والنوم في الكراتين

وبسبب أزمة السكن في إيران ينام بعض المواطنين الفقراء في مختلف المدن الإيرانية في علب الكارتون في الشوارع التي لا تقيهم من برد الشتاء أو حر الصيف، فضلا عن من يضطرون إلى السكن في عشوائيات المدن والعيش في الكرفانات، بسبب ارتفاع أسعار البيوت وبدل الإيجار.

هذا بينما يوجد في الوقت الحاضر حوالي مليونين و600 ألف بيت فارغ ومعظمها تعود إلى المؤسسات الحكومية والمستثمرين المقربين من الحرس الثوري وبقيت فارغة لكي تباع بأسعار خيالية، حسب اعتراف وسائل الاعلام الحكومية.

وتستغل تلك المؤسسات ضيق العيش وتبيع تلك الكرفانات بأسعار مرتفعة لتكتسب أرباحا كبيرة بنهب المحرومين فاقدي المأوى.

فقراء يعيشون في المقابر بالعاصمة طهران

 

السكن في المقابر

وكانت قضية “سكان المقابر” في العاصمة الإيرانية طهران، وهم من مئات المشردين من الرجال والنساء والأطفال يعيشون الذين يعيشون داخل القبور، أحدثت ضجة قبل عدة أشهر، داخل إيران بعد ما نشرت صحف رسمية صورا صادمة عن هؤلاء الفقراء.

وإثر انتشار تلك الصور وجه ناشطون هجوما لاذعا ضد المرشد الإيراني علي خامنئي وقالوا إن نظام ولاية الفقيه ينفق المليارات من أموال الإيرانيين على تدخلاته العسكرية ودعم الإرهاب في دول المنطقة بينما شعبه يعيش أسوأ معدلات الفقر والحرمان والتشرد.

ظاهرة طعن الملالي

ورفع المتظاهرون خلال الاحتجاجات شعار “لا للملالي” و”يا رجال الدين ارحلوا عنا” وسبقتها ظاهرة طعن رجال الدين في مختلف المناطق، منها في مترو أنفاق العاصمة طهران، حيث قال الشاب المهاجم للشرطة بأنه أراد الانتقام من الحكومة التي يسيطر عليها الملالي.

وتكررت الظاهرة من قبل مواطنين مستائين من دورهم في الفقر والبطالة والفساد والهيمنة على السلطة والثروة والوظائف وفرص العمل على حساب الفئات المهمشة في البلاد.

وكان شاب غاضب هاجم في يوليو/حزيران الماضي، رجل دين ووجه له عدة طعنات بالسكين هاتفا بأنه يفعل ذلك من أجل “الأمر بالمعروف” و”تخليص الناس من ظلم الملالي”، وذلك في إحدى محطات مترو طهران، الأمر الذي استدعى تدخل الشرطة، التي أطلقت النار على المهاجم وأردته قتيلا على الفور.

الحرس الثوري

 

هيمنة الحرس الثوري على الاقتصاد

ويهيمن الحرس الثوري على الاقتصاد الإيراني وقطاعات حيوية مثل النفط والغاز والاتصالات والبناء والمواصلات والاستثمارات.

وذكرت صحيفة “وورلد نت دايلي” الأميركية في وقت سابق أن “الميزانية المخصصة للحرس الثوري الإيراني بلغت 3.3 مليار دولار في العام 2013، وتضاعفت لتصل إلى 6 مليارات دولار في العام 2015، ثم انخفضت إلى 4.5 مليار دولار في العام 2016، لكن عادت لترتفع بنسبة 53% لتصل 6.9 مليار عام 2017”.

ويتم تخصيص معظم الأموال التي حصلت عليها طهران بعد تخفيف العقوبات على حروب الحرس الثوري في سوريا واليمن وغيرها من الدول، ولذا نادى المتظاهرون خلال الأيام الأربعة الماضية بإنهاء التدخل الإيراني في الدول الأخرى وإنفاق الأموال للقضاء على البطالة ورفع المستوى المعيشي، ومعالجة مشاكل الفقر والتضخم والغلاء.

الرئيس حسن روحاني

ظاهرة بيع الأطفال وعملهم

ويعتبر وضع الأطفال في إيران إحدى المعضلات الاجتماعية المتفاقمة، حيث اعترف مساعد لشؤون الرعاية الاجتماعية في إيران، حبيب الله مسعودي، في تصريحات له في أغسطس الماضي، بوجود 600 وليد تم عرضهم للبيع من مجموع 1200 لدى هيئة الرعاية الاجتماعية.

أما عن بيع المواليد الرضع بأسعار مختلفة، فكتب موقع “عصر إيران” الحكومي في 26 تموز/يوليو 2016 أن “ترتيب أسعار بيع الوليد مختلفة ويتراوح بين 500 ألف تومان ومليون تومان. وإذا كان وليد مدمنا فينخفض سعره، وإذا كان سليما فيرتفع سعره. هناك حالات مروعة ومؤلمة عديدة حيث تقشعر لها الأبدان”.

وفي حزيران/يونيو الماضي، نشرت وكالة “إيسنا” تقريرا عن الأطفال الذين يبحثون عن الطعام في النفايات، وكتبت أن الإحصائيات الرسمية تظهر أن مليوني طفل يضطرون للعمل لكسب قوتهم وقوت عوائلهم.

أما عن تجارة الأعضاء البشرية للأطفال فكتبت وكالة أنباء “فارس” في تموز/يوليو 2017 نقلا عن عضوة المجلس البلدي لطهران، فاطمة دانشور، أنه في العديد من حالات يختفي الأطفال ويتم تهريب أعضاء جسمهم وبعد فترة يتم العثور على جثث بعض منهم في صحارى بدون كلي وعيون”.

القوميات المضطهدة تنضم للاحتجاجات

وبعد مشاركة محدودة في الاحتجاجات المستمرة منذ أربعة أيام، للقوميات التي تقول إنها تعاني من الاضطهاد المضاعف والحرمان من حقوقها الأساسية أعلن أتراك أقاليم أذربيجان، الذين يشكلون حوالي 25% من نسبة السكان وفق إحصائيات غير رسمية، إنهم سيشاركون بقوة في مظاهرات عصر الاثنين، وبذلك سيلحقون بنظرائهم من الكرد وعرب الأهواز والبلوش والتركمان واللور وسائر القوميات بركب الانتفاضة.

ويقول نشطاء القوميات إن أولوياتهم تختلف في هذه الانتفاضة، حيث إنهم إلى جانب التركيز على المطالب الموحدة للشارع الإيراني فإنهم يركزون على المطالب القومية وحقوقهم الثقافية والاقتصادية والسياسية وإنهاء التمييز والحرمان والممارسات العنصرية والتعسفية ضدهم.

وبينما يشبه بعض الخبراء والمحللين والسياسيين الإيرانيين أوضاع إيران بنهاية حقبة الاتحاد السوفيتي، يرى آخرون إن هذه الانتفاضة هي بداية نهضة الإيرانيين بمختلف مكوناتهم نحو إسقاط نظام ولاية الفقيه الاستبدادي وبناء دولة ديمقراطية تعددية تمنح حقوق شعوبها وتكون مسالمة مع جيرانها وعنصرا فعالا في المجتمع الدولي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق