هل يحقق فيلم “ذا بوست” نجاحا جديدا للمخرج ستيفن سبيلبرغ؟

أسند المخرج ستيفن سبيلبرغ بطولة فيلمه الجديد “ذا بوست” إلى النجمين توم هانكس وميريل ستريب. وبرأي الناقدة كارين جيمس؛ يشكل هذا العمل، الذي يدور حول فضيحة تسرب وثائق من وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” في عام 1971، أكثر فيلم أخرجه سبيلبرغ ينتمي إلى تلك النوعية من الأعمال التي تركز على انتصار الجانب المستضعف، وتحتفي بالشجاعة وما ينجم عن التحلي بها من نتائج إيجابية.

يُعرض فيلم “ذا بوست”، الذي يحفل بدفاعٍ متحمس عن حرية الصحافة، في وقت يتردد فيه صدى عبارة “أخبار مفبركة” بين ثنايا كل نقاشٍ سياسيٍ تقريباً.

وقد عَمِلَ المخرج ستيفن سبيلبرغ على تسريع وتيرة عمليات إنتاج هذا العمل، لأن قصته – التي تدور أحداثها عام 1971 حينما كان الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون يحكم الولايات المتحدة وكأنه زعيم عصابة – تعبر بقوة عن مجريات عالمنا اليوم.

فالفيلم – الذي يشير اسمه إلى الاسم المختصر لصحيفة “واشنطن بوست” – يتناول تحدي رئيس تحرير الصحيفة بِن برادلي وناشرتها كاثرين غراهام (يجسد دوريهما توم هانكس وميريل ستريب) لإدارة نيكسون، عبر نشر وثائق سرية تخص وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، وتكشف أكاذيب الإدارة بشأن الحرب في فيتنام.

كما يشكل “ذا بوست” أكثر فيلم أخرجه سبيلبرغ ينتمي إلى هذه النوعية من الأعمال السينمائية، التي تركز على انتصار الجانب المستضعف وتحتفي بالشجاعة وما ينجم عن التحلي بها من نتائج إيجابية، وذلك بكل ما في تلك الفئة من حسنات وسيئات.

ويُطلق على هذه الفئة اسم “كابرا-آسك” نسبةً للمخرج الأمريكي الإيطالي فرانك كابرا، وهو مثله مثل ستيفن سبيلبرغ من المخرجين المقتدرين في مجال تقديم أعمالٍ مسلية تروق للقاعدة الشعبية العريضة من الجماهير.

وفي فيلمنا هذا، يقدم سبيلبرغ قصةً سريعة الإيقاع، تتضمن لحظاتٍ تدفع الجمهور للتصفيق والتهليل لها، وذلك عبر عملٍ سينمائي يكتظ بشخصياتٍ لا جدال في مدى بطولتها.

لكن ذلك لا يمنع من أن الفيلم يتسم بطابعٍ جاد ومتحمس، بل ومزعج أيضاً في الطريقة التي يوصل بها رسالته الصاخبة بشكلٍ مباشر وتلقيني إلى جمهوره وكأنه يُسقيه إياها بالملعقة، ويحاول عبرها كذلك التحكم في ردود فعلنا العاطفية.

وفي تجسيدهما لدوريهما، يوظف هانكس وستريب أفضل مميزاتهما وخصالهما، والجاذبية الشخصية التي يتحلى بها كلٌ منهما وهي من الطراز الأول بالطبع. وقد نجح الاثنان في رفع مستوى السيناريو الركيك، والواضح في الوقت نفسه، والذي يبدأ بوضع مشاهديه في السياق التاريخي للأحداث.

ففي عام 1966، يلاحظ دانييل إلزبرغ (يقوم بدوره ماثيو ريس) – وهو الشخص الذي سيسرب الوثائق في نهاية المطاف من مركز الدراسات والأبحاث الذي يعمل فيه – أن وزير الدفاع روبرت ماكنامارا (يجسد شخصيته بروس غرينوود) يصب جام غضبه سراً إزاء حقيقة كون الولايات المتحدة عالقة في فيتنام، ولكنه يؤكد لوسائل الإعلام بعد دقائق قليلة من ذلك أن بلاده تحرز تقدماً “على مختلف الأصعدة” هناك.

 
يوظف هانكس وستريب أفضل مميزاتهما وخصالهما، والجاذبية الشخصية التي يتحلى بها كلٌ منهما

وهكذا فبينما بات من المفترض اليوم أن الساسة ينخرطون في الكذب وتشويش الحقائق، فإن “ذا بوست” يُعيدنا إلى تلك الحقبة، التي كان فيها حدوث ذلك يعد بمثابة خبر.

وتقفز بنا الأحداث لعدة أعوام، لنصل إلى عام 1971، لنرى برادلي وهو يحاول أن يرفع من شأن الـ “واشنطن بوست” من مكانتها المتدنية كمجرد صحيفة محلية. وقتذاك لم يكن هناك من يعلم أن الصحفييْن بوب وودورد وكارل برنستين سيفجران فضيحة “ووترغيت” لحساب الصحيفة ذاتها، بعد بضع سنواتٍ من ذلك فحسب.

وإذا نظرنا بعمقٍ أكبر للكيفية التي تم تجسيد بها شخصية برادلي على الشاشة، سنجد أن هانكس أظهره دائما وهو يتبختر، ويبدو دائماً الشخص الأكثر أناقة وذكاء في المكان، دون أن يعمد في الوقت نفسه لإعطاء أهمية أكبر من اللازم للشخصية التي يجسدها، أو يبدي لها إعجاباً يفوق ما هو ضروري.

فهانكس ينقل لنا مثلاً شعور السعادة الذي يغمر برادلي عند حصوله على سبقٍ صحفي، ويجسد لنا نزاهته المتمثلة في رفضه – على سبيل المثال – لأن يختار نيكسون مراسلاً صحفياً بعينه لتغطية حفل زفاف ابنته الذي يُقام في البيت الأبيض. وفوق كل ذلك، يعبر هانكس باقتدار عن غريزة “كلب الصيد” التي يتحلى بها برادلي، وتميز أي صحفي حقيقي.

أما غراهام فبدت لكنة خريجات المدارس العليا الخاصة باهظة الرسوم التي اعتمدتها في حديثها، متلائمةً مع تصفيفة شعرها الذي استقر كخوذة فوق رأسها، ومجموعة ثيابها شديدة الأناقة. ونعلم من الأحداث أنها أصبحت ناشرةً – على نحو مفاجئ للصحيفة بعد انتحار زوجها – لتتبوأ بذلك مكانةً قيادية في تلك الشركة التي تديرها عائلتها.

غير أنها لا تبدو للوهلة الأولى ناشرةً مثالية من نوعها. على أي حال، فبسحرها المعروف عنها، تجسد ستريب ما تتحلى به شخصية غراهام من تصميمٍ وما يشوبها من شعورٍ عميق بعدم الأمان كذاك الذي يتعين عليها تجاوزه مع كل تحدٍ جديد تواجهه، وهي سيرة حياة كُتِبت بعذوبة في سيرتها الذاتية المعنونة باسم “بيرسونال هيستوري” (تاريخٌ شخصي)، والتي حصلت عنها على جائزة بوليتزر.

وبالعودة لأحداث الفيلم، سنجد أن السلطات الأمريكية حصلت – بعد بدء صحيفة “نيويورك تايمز” في نشر وثائق “البنتاغون” – على أمرٍ قضائي يحول دون نشر المزيد منها.

ويرى برادلي هذا فرصةً سانحة للاستفادة من هذا الملف، رغم المخاطر التي تكتنف ذلك، والتي تتمثل في إمكانية توجيه تهمة الخيانة له ولغراهام بسبب نشر وثائق سرية.

 
تتحلى ستريب بقدرة رائعة على التعبير الدقيق عن المشاعر، كما تقول الكاتبة

ومن جانبه، ينجح سبيلبرغ في تقديم ذلك الطابع المُفعم بالحيوية الذي يميز غرف الأخبار في وسائل الإعلام، بكل ما يسود هذه الأماكن من طاقةٍ تطن في جنباتها، ومحادثاتٍ تبدأ على نحو غير متوقع وقد لا تتسم بالترابط، بجانب هذا الشعور الجمعي بالفخر الذي يعم الجميع عندما يتم تحقيق إنجاز ما.

كما يحيط المخرج المعروف نجميه وبطلي فيلمه بفريق عملٍ نابض بالحياة من الممثلين الآخرين. ومن بين أفضل هؤلاء؛ كاري كون في دور كاتبة الافتتاحيات ميغ غرينفيلد، وبوب أودينكيرك في دور مساعد مدير التحرير بِن باغديكيان، هذا الصحفي المخضرم الذي تبدو عليه سيماء الإرهاق، ويقيم صلةً شديدة الأهمية مع إلزبرغ.

ويخلق مخرج الفيلم حالةً من التوتر خلال مشاهدٍ تُصوّر في أماكن لا يبدو أنها محفوفة بمخاطر جمة. على سبيل المثال، نرى فريقاً من الصحفيين منتشرين على أرضية غرفة المعيشة بمنزل برادلي، وهم يُجَمِّعون أوراقاً غير مؤرخة من تلك الوثائق السرية التي تلقاها باغديكيان، وهم في سباقٍ مع الزمن للوفاء بذلك قبل انتهاء مهلةٍ ما، بينما يساورهم جميعاً تساؤلٌ مفاده ما إذا كانت غراهام ستتحدى محامييها، وتعطي الضوء الأخضر لنشر الوثائق أم لا.

ولكن الفيلم يهدر أكثر الفرص المثيرة للاهتمام التي تتضمنها أحداثه، والتي تكمن في إدراك برادلي متأخراً – كما يُسِّرُ لغراهام – أن صداقته الثمينة مع الرئيس السابق جون كينيدي لم تكن على قدم المساواة في نهاية المطاف، وأنه ربما أن يكون قد اسْتُغِلَ خلالها.

غير أن العمل يتجاوز هذه المسألة الشائكة بسرعة شديدة، فقط لكي يتسنى لهانكس أن يلقي أحد الدروس بليدة الحس التي يتضمنها الفيلم بشأن الساسة، مُتحدثاً عن الطريقة التي يكذبون بها، ومؤكداً ضرورة أن تُطوى صفحة ذلك.

أما أداء ستريب فينقذ الفيلم من الطابع المتكلف والفج الذي يتسم به. فالنسخة الأولى من السيناريو أُعِدت على يد ليز هاناه، التي استلهمتها من مسيرة حياة غراهام كسيدة نجحت بجهودها في تحقيق قدرٍ بعينه من النجاح، بينما استعان سبيلبرغ بـ”جوش سينغر”، كاتب سيناريو فيلم “سبوت لايت” للعمل على السيناريو أيضاً.

ورغم أن الكاتبيّن عملا سوياً فإن الشقوق بين القصة ذات الطابع المناصر للمرأة والتي تبرز مسيرة نجاح غراهام، وتلك التي تتناول كواليس الحياة الصحفية، ظلت واضحةً للعيان. ولذا تبدو كل المشاهد تقريباً التي تتحدث عن إحراز المرأة لانتصاراتٍ أو تقدم، غير متسقة مع سواها في البناء الدرامي، بل ومُقحمة عليه، على نحوٍ ما أيضاً.

ففي غمار الأزمة المتعلقة بوثائق “البنتاغون”، نرى غراهام وهي تتحدث لابنتها الناضجة (تقوم بدورها أليسون بري)، وهي – أي الابنة – تضع ابنتها الصغيرة في فراشها. وفي هذا الجزء الأمومي من الأحداث، تقر غراهام بأنها لم تحسب يوماً أنه سيكون لديها عمل، ناهيك عن أن تدير شركةً بأكملها.

وتقول في هذا الشأن: “ظننت أن هذا ما يُفترض أن يكون. الكل فكر على هذه الشاكلة عندئذِ”. وتواصل السيدة حديثها الذي تبدو فيه غير واثقة من نفسها بالقول باكيةً إنها لا تريد أن تكون الملومة إذا مُنيت الصحيفة بالفشل.

 
يعبر هانكس باقتدار عن غريزة “كلب الصيد” التي يتحلى بها برادلي، وتميز أي صحفي حقيقي.

وفي ضوء القدرة الرائعة التي تتحلى بها ستريب على التعبير الدقيق عن المشاعر، لم يكن هناك حاجة لأن تُقحم موسيقى جون ويليامز ذات الطابع المفرط في العاطفية على المشهد، لتوضح لنا أنه يفترض أن يعبر عن لحظةٍ مؤثرة.

بجانب ذلك، فعندما تخرج غراهام من مبنى المحكمة العليا بعد حضور جلسة استماع بشأن ما إذا كان يحق للصحيفة نشر الوثائق أم لا، فإننا نراها وهي تهبط الدرج، بينما تتنحى صفوف غاصة بالنساء والنساء وحدهن طواعية ذات اليمين وذات الشمال، وكأن هذه السيدة تجترح معجزة شق البحر الأحمر إلى نصفين.

على أي حال، يبدو فيلم “ذا بوست” وكأنه يعيش في الظلال الطويلة لفيلم “كل رجال الرئيس”، وهو عملٌ سينمائي أفضل منه بكثير، نجح صناعه في تحويل ما قام به وودورد وبرنستين إلى فيلمٍ مثير وراقٍ كذلك.

ورغم أن سبيلبرغ يقدم هنا فيلماً جيداً من تلك الأفلام التي تحمل رسالةً ما للجمهور، فإن ذلك يطرح سؤالاً يطارد دائماً الأعمال السينمائية المنتمية لتلك الفئة ألا وهو: من هي الجماهير التي تسعى مثل هذه الأفلام لإيصال رسالتها إليها بالتحديد، إذا ما استثنينا أولئك الذين تروق لهم تلك الأعمال من الأصل وتتسق مع طريقة تفكيرهم؟

أما غراهام فتحظى بلحظة تمكينها الكبرى، عندما تقول لعضوٍ في مجلس الإدارة يفكر بعقلية ذكورية: “لم تعد هذه شركة أبي، أو شركة زوجي، إنها شركتي أنا”.

لكن الجزء الذي يُذَّكِر أكثر من غيره بأفلام “كوبرا-آسك” – التي تحدثنا عنها في البداية – كان من نصيب كاري كون، وذلك في مشهدٍ يُذكرنا بالمشهد الذي ظهر فيه الممثل جيمس ستيورات في قاعة مجلس الشيوخ، في إطار أحداث فيلم “السيد سميث يذهب إلى واشنطن”.

ففي غرفة الأخبار المكتظة بالصحفيين، تتلقى كون – التي تجسد شخصية ميغ غرينفيلد – اتصالاً هاتفياً ينقل لها نبأ صدور حكم المحكمة العليا، الذي يسمح للصحيفة بنشر الوثائق، لتنقله بدورها إلى الموجودين في الغرفة قائلةً إن “الآباء المؤسسين (للولايات المتحدة) قد أسبغوا على حرية الصحافة الحماية التي يجب أن تحظى بها، لكي تضطلع بدورها المحوري كاملاً في نظامنا الديمقراطي”.

وهو مشهدٌ معدٌ بعناية ودقة وعلى نحوٍ فعال، من أجل دفع مشاهديه إلى التصفيق والهتاف، بل وربما ذرف بعض الدموع، بفعل إدراكهم مدى الهشاشة التي باتت تبدو عليها حرية الصحافة في أيامنا هذه.

غير أن الفيلم لا يخلو من بارقة أملٍ، حتى وهو يحذر من التهديدات المُحدقة بحرية الصحافة. فعندما يُظهر سبيلبرغ الرئيس الأمريكي وهو يهاجم الصحافة بقسوة وعدوانية، فإنه يجعله شخصاً تغشاه الظلال ويبدو من على مبعدة في البيت الأبيض، ولكنه يستخدم في هذه المشاهد صوت نيكسون الحقيقي، بالاستعانة بتسجيلاتٍ له كانت سريةً في يومٍ ما.

الخلاصة هنا أن نيكسون فعل كل ما في وسعه لإسكات الصحافة، ونحن نعلم يقيناً ماذا كانت عاقبة ذلك.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق