الأربعاء , سبتمبر 20 2017
الرئيسية / مقالان / إبراهيم الشيخ / ‏إبراهيم الشيخ : الوطنيّة..

‏إبراهيم الشيخ : الوطنيّة..

(1)

بعد أن انتهى الأب «ايمانويل مسلم» راعي كنيسة اللاتين بفلسطين من عباراته الداعمة لحق المقاومة في الدفاع عن الشعب الفلسطيني وأرضه، فاجأه المذيع بسؤاله: ألا تخشى وأنت مسيحي فلسطيني عربي أن يهاجمك الإعلام الغربي والعربي كونك انحزت للمقاومة الفلسطينية. فرد عليه واثقا: أنا عربي فلسطيني مسيحي. ولست مسيحيا فلسطينيا عربيا!

«وأنا بربطي بهذه الكلمات، العالم يجب أن يفهم، أن شعبي هنا، وأرضي هنا، ومصيري هنا، وهمّي هنا، وموتي هنا، وبعثي هنا، وقيامتي من هنا، ولا أريد أنا لا شرقا ولا غربا ولا شمالا ولا جنوبا…».

الأب ايمانويل متشرب للوطنية، كما غيره من المسيحيين الفلسطينيين. أولئك الذين أغلقوا كنائسهم في القدس أمس، وطلبوا من أتباعهم الصلاة مع المسلمين في شوارع القدس وعند أسوار الأقصى، لأن قضيتهم مع المحتل واحدة، لا يمكن أن يختلف عليها اثنان.

هم لا ينسون الوطنية والإنسانية التي زرعها الفاروق عمر أثناء فتحه للقدس.

(2)

كتب «زياد الدريس» المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية في اليونسكو، مقالة ثمينة بعنوان «الوطنيون الجدد»، نشرتها الحياة اللندنية قبل أيام.

تطرق فيها إلى انتشار فهم «شوفيني» جديد وغريب لمعنى الوطنية.

تحدث الدريس عن «الوطنيون الجدد»، وأنهم «دوما يفسرون مواقف الآخرين تفسيرا ماديا (بحث عن منصب، مال)، لا يستطيعون تصوّر أحد يتخذ موقفا انطلاقا من قِيم»!

‏«كانوا ينتقدون استخدام (الدين) لبث الكراهية والإقصاء والتكفير، و‏الآن هم يستخدمون (الوطن) لبث الكراهية والاستعداء والتخوين».

«كانوا يشنّعون على المتشددين ممارستهم للوصاية وتضييقهم الاستقلالية في التفكير، و‏الآن هم يضيّقون على الناس في استقلاليتهم وحريتهم ومعيشتهم»!

«كانوا يطالبون تيارات الجمود بإطلاق حرية الرأي والنقد، و‏الآن هم لا يسمحون بنقد أيّ رأي، ولا أن تختلف عن رأيهم بحذافيره».

«كانوا يعترضون على بعض الإسلاميين قيامهم بدور الشرطي، والآن هم يقومون بدور الشرطي، ويتمنون القيام بدور السجان أو الجلاد»!

«كانوا يعيبون على الإسلاميين استغلالهم نفوذهم في إيذاء الآخرين، و‏الآن هم يستغلّون نفوذهم وتمكّنهم في الإيذاء بطريقة أعنف. ‏كانوا ينقمون على الذين يتاجرون بالإسلام، و‏الآن هم يتاجرون بالوطن».

(3)

مع مرور الأزمات علينا، بدأنا نكتشف تغلغل فهم بوش الصغير للإرهاب في عقول «الوطنيون الجدد»، لأنهم يكررون دائما: إما أن تتبنى رأيي أو أنت غير وطني!

عقليات تعيش على نظرية تضخيم «الأنا» إلى درجة مخيفة جدا، تنبئ عن وجود خلل حقيقي، أوصلت تلك «الأنا» الى الخلط بين الرأي الفردي والرأي الرسمي للدولة.

لا نشك لحظة بولاء أولئك البعض لوطننا الغالي، لكن هناك كارثة تكمن في مفاهيم ومبادئ والتزامات «وطنية»، لا يجوز احتكارها وإقصاء الآخرين، وصولا إلى الفجور في الخصومة إلى درجة مَرَضية مقيتة.

(4)

فيضان الكراهية والحسد وصولا إلى الفجور في الخصومة، لا يفقد المرء اتزانه وحكمه على الأشياء فحسب، ولكنه يحوّل «الوطنية» إلى تجارة كاسدة أخلاقيا، ولكنها مربحة ماديا، تدرّ المكاسب والمناصب.

يُشتم بها المخالفون ليتم تصنيفهم وإقصاءهم، حتى لا يبقى سوى صوت قرع الطبول، أو صداها.

(5)

في مقابلة الأب «ايمانويل مسلم»، وعندما أخبره المذيع بأن انحيازه لأهله وشعبه الفلسطينيين قد يتسبب بهجوم من الإعلام الصهيوني والمتصهين عليه، ابتسم ابتسامة الواثق بانتمائه وولائه لأرضه وقضيته، وردد عبارته الجميلة التي أوردتُها في الأعلى.

وكذلك يبتسم جميع العاشقين لأرضهم، الحالمين بوطنهم عزيزا أبيا كريما منتصرا، مسنودا بأمة قوية، تحميه وتدافع عنه.

وطن لا يرجف فيه الأمل، ولا ترجف فيه الوطنية ولا الولاء ولا الانتماء.

وطن لا يتجرأ فيه من يحتكر الوطنية لنفسه في كل مناسبة، ويرفعها سيفا على كل مخالفيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *